عاجل

ماذا يحدث داخل الجسم عندما تعبر الطائرة عدة مناطق زمنية متتالية؟

محمد توفيق

2026-09-13 | 12:30 م

تابعنا على تويتر للحصول على أخر الاخبار

تُربك الرحلات الجوية الطويلة الساعة البيولوجية للجسم عندما تعبر الطائرة عدة مناطق زمنية خلال ساعات قليلة، بينما يستمر الجسم مؤقتاً في العمل وفق التوقيت الذي اعتاد عليه قبل السفر، وقد تظهر بعد الوصول أعراض مثل التعب أثناء النهار، والأرق خلال الليل، وصعوبة التركيز، وبعض الاضطرابات المرتبطة بالجهاز الهضمي.

ويوضح تقرير لشبكة BBC أن اضطراب الرحلات الجوية الطويلة لا يرتبط فقط بقلة النوم، وإنما ينتج بشكل أساسي عن اختلال النظام الذي ينظم دورات الجسم اليومية، وتعمل النواة فوق التصالبية (SCN) في الدماغ على تنسيق هذه الإيقاعات، بما يساعد الجسم على ضبط وظائفه وفق تعاقب الليل والنهار.

الساعة البيولوجية للجسم

يعمل الجسم وفق دورة يومية تقترب من 24 ساعة، وتنظم هذه الدورة أوقات النوم والاستيقاظ، وتناول الطعام، والنشاط والراحة، ويحتاج الجسم بصورة مستمرة إلى تعديلات محدودة حتى يظل متزامناً مع البيئة المحيطة والتغيرات اليومية في الضوء والظلام.

وتستقبل خلايا حساسة للضوء موجودة في شبكية العين الإشارات المرتبطة بمستويات الإضاءة، وترسل هذه الإشارات إلى الدماغ، وتشارك في تنظيم إفراز هرمون الميلاتونين الذي تنتجه الغدة الصنوبرية ويرتبط بدورة النوم والاستيقاظ.

وتنسق النواة فوق التصالبية هذه الإشارات مع العمليات الفسيولوجية المختلفة، ولذلك فإن الانتقال المفاجئ بين المناطق الزمنية يضع الساعة البيولوجية أمام توقيت جديد لا يتوافق في البداية مع الدورة التي كان الجسم يتبعها قبل السفر.

ويشرح راسل فوستر، أستاذ علم الأعصاب الإيقاعي في جامعة أكسفورد، دور النواة فوق التصالبية باعتبارها الجهة التي تنسق الإيقاعات اليومية داخل الجسم، وعندما يتغير التوقيت الخارجي بصورة مفاجئة يحتاج الجسم إلى فترة حتى يعيد ضبط هذه الإيقاعات.

أعراض تمتد بعد الوصول

يستمر الجسم بعد الوصول إلى الوجهة الجديدة في اتباع جزء من جدوله السابق، بينما تتطلب البيئة الجديدة مواعيد مختلفة للنوم والاستيقاظ وتناول الطعام والنشاط، ولذلك قد يشعر المسافر بالنعاس والإرهاق خلال النهار، بينما يظل مستيقظاً خلال ساعات الليل أو الصباح الباكر.

وتختلف شدة اضطراب الرحلات الجوية الطويلة من شخص إلى آخر، وتتأثر بعدة عوامل، من بينها الاختلافات الوراثية والأدوية التي يتناولها الشخص بصورة منتظمة، كما تصبح الأعراض أكثر وضوحاً عند عبور عدد أكبر من المناطق الزمنية، وخلال الأيام القصيرة، وعند السفر في اتجاه الشرق.

وتشمل الأعراض الصداع، وآلام العضلات، والغثيان، والإسهال أو الإمساك، كما يمكن أن تظهر مشكلات مرتبطة بالوظائف الإدراكية، مثل التشوش الذهني، وصعوبة التركيز، ومشكلات تذكر المعلومات، إلى جانب سرعة الانفعال واللامبالاة.

وتشير الأبحاث الواردة في التقرير إلى أن اضطراب النوم لا يقتصر على المسافرين العاديين، إذ تناولت دراسات تأثير جداول العمل المرهقة على أطقم الطائرات التي تعمل بنظام المناوبات وتسافر بصورة متكررة مع فترات راحة محدودة.

تأثيرات السفر المتكرر

رصدت إحدى الدراسات ارتفاع مستويات الكورتيزول في عينات اللعاب لدى مضيفات ومضيفين جويين يعملون بنظام مناوبات مع فترات راحة قليلة وسفر متكرر، ويرتبط الكورتيزول باستجابة الجسم للتوتر، بينما قد يؤدي التعرض لفترات طويلة لتركيزات مرتفعة منه إلى إضعاف جهاز المناعة وزيادة مخاطر أمراض القلب والأوعية الدموية.

وأظهرت أبحاث أخرى تغيرات مرتبطة بوظائف الدماغ، ففي تجربة أجريت في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، تعرضت فئران الهامستر لمدة أربعة أسابيع لنمط نوم يحاكي السفر المتكرر بين نيويورك وباريس، وواجهت الحيوانات خلال التجربة صعوبة في تنفيذ مهام كانت تؤديها بسهولة من قبل.

ولاحظ الباحثون أيضاً انخفاضاً في تكوين خلايا دماغية جديدة داخل الحصين، وهي منطقة ترتبط بالذاكرة، واستمرت بعض هذه التأثيرات لفترة بعد عودة أنماط النوم إلى طبيعتها، وفق النتائج التي تناولتها الأبحاث المشار إليها في التقرير.

وتبدأ مواجهة اضطراب الرحلات الجوية الطويلة قبل موعد السفر، إذ تشير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة (CDC) إلى أن تعديل مواعيد النوم خلال الأيام السابقة للرحلة يمكن أن يساعد الجسم على الاستعداد للتوقيت الموجود في الوجهة الجديدة.

وينصح المسافر المتجه شرقاً بتقديم موعد النوم تدريجياً، بينما يمكن للمسافر المتجه غرباً تأخير موعد النوم، وتشير التوصيات إلى تقديم موعد النوم ساعة واحدة يومياً لمدة يومين أو ثلاثة أيام قبل السفر عند التوجه شرقاً، وتأخيره بالمقدار نفسه عند السفر غرباً.

الضوء والغذاء بعد السفر

يساعد التعرض للضوء في إعادة مزامنة الساعة البيولوجية، ويختلف التوقيت المناسب للتعرض للضوء وفق اتجاه الرحلة وعدد المناطق الزمنية التي يعبرها المسافر، كما يمكن للنشاط البدني أن يدعم اليقظة ويساعد الجسم على التكيف مع التوقيت الجديد.

ويتغير توقيت تناول الطعام أيضاً بعد الوصول إلى الوجهة، وتوصي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بتناول الوجبات وفق مواعيد المنطقة الزمنية الجديدة، وخاصة بعد الهبوط، ضمن مجموعة من الإجراءات التي تستهدف مساعدة الجسم على الانتقال إلى الجدول اليومي الجديد.

ويرتبط استخدام الميلاتونين كذلك بتوقيت تناوله، إذ يمكن أن تختلف فائدته وفق موعد الاستخدام، بينما قد يؤدي التوقيت غير المناسب إلى زيادة اضطراب الساعة البيولوجية بدلاً من تخفيفه، كما تشير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها إلى أن الميلاتونين لا يخضع للتنظيم نفسه الذي تخضع له الأدوية من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.

وتحذر التوصيات من أن تركيز الميلاتونين الفعلي في بعض المنتجات قد لا يتطابق بالضرورة مع الكمية المدونة على العبوة، ولذلك يرتبط التعامل مع اضطراب الرحلات الجوية الطويلة بتنظيم النوم والضوء والنشاط وتوقيت الطعام، إلى جانب الانتباه إلى استخدام المكملات وتوقيت تناولها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى