كيف أصبحت غينيا الجديدة جزيرة واحدة تحت سيادة دولتين مختلفتين؟

محمد توفيق
2026-08-31 | 11:15 ص
تابعنا على تويتر للحصول على أخر الاخبار
احتفظت جزيرة غينيا الجديدة بموقعها بين أكبر جزر العالم، إذ تبلغ مساحتها نحو 785,753 كم²، لتأتي في المرتبة الثانية عالميًا بعد غرينلاند، وتنقسم أراضيها اليوم بين دولتين، تقع إندونيسيا في الجزء الغربي منها، بينما تشغل بابوا غينيا الجديدة الجزء الشرقي، وتكشف خريطة الجزيرة عن حدود سياسية ارتبطت بمراحل استعمارية وتطورات سياسية امتدت لسنوات طويلة.
وتمتد غينيا الجديدة جغرافيًا ضمن منطقة أوقيانوسيا، بينما يرتبط الجزء الغربي منها بإندونيسيا، وهي دولة تقع في قارة آسيا وفق التصنيف الجغرافي المتداول، وهو ما يجعل الجزيرة حالة لافتة عند مقارنة الحدود السياسية بالتقسيمات القارية، إذ لا تتطابق حدود الدولة الإندونيسية في غرب الجزيرة مع التصنيف الجغرافي للجزيرة بأكملها.
وشكلت القوى الاستعمارية ملامح الانقسام السياسي في غينيا الجديدة خلال القرن التاسع عشر، ففرضت هولندا نفوذها على الجزء الغربي من الجزيرة، وأصبح هذا الإقليم مرتبطًا بالمستعمرة الهولندية في إندونيسيا، بينما دخلت مناطق أخرى من الجزيرة تحت نفوذ قوى أوروبية مختلفة خلال الفترة نفسها.
ورسمت ألمانيا وبريطانيا جانبًا آخر من خريطة الجزيرة خلال عام 1884، عندما فرضت ألمانيا سيطرتها على شمال شرق غينيا الجديدة، بينما أعلنت بريطانيا محمية على الجزء الجنوبي الشرقي، وهو التطور الذي أدى إلى ظهور تقسيمات إدارية وسياسية ظلت آثارها قائمة خلال المراحل اللاحقة من تاريخ الجزيرة.
حدود صنعتها القوى
انتقلت إدارة الأراضي التي كانت خاضعة للنفوذ الألماني إلى أستراليا بعد الحرب العالمية الأولى، وذلك في إطار نظام الانتداب التابع لعصبة الأمم، ثم جرى توحيد عدد من الأراضي التي أصبحت لاحقًا جزءًا من بابوا غينيا الجديدة، لتتشكل تدريجيًا البنية السياسية التي قادت إلى قيام الدولة المستقلة.
وأعلنت بابوا غينيا الجديدة استقلالها في 16 سبتمبر 1975، بعد مرحلة طويلة من الإدارة الأجنبية، لتصبح بذلك دولة مستقلة في الجزء الشرقي من الجزيرة، بينما واصلت إندونيسيا إدارة الجزء الغربي الذي كان مرتبطًا سابقًا بالوجود الهولندي في المنطقة.
وتولت إندونيسيا إدارة غرب غينيا الجديدة عام 1963، ثم شهد الإقليم في عام 1969 عملية تقرير المصير المعروفة باسم Act of Free Choice، وأُجريت العملية تحت إشراف الأمم المتحدة، وانتهت بتأكيد بقاء الإقليم ضمن إندونيسيا.
واختلفت الصورة السياسية للجزيرة قبل ظهور الحدود الحالية، فلم تكن هناك حدود دولية تفصل بين إندونيسيا وبابوا غينيا الجديدة، كما هو الحال في الوقت الراهن، وكانت مناطق الجزيرة تضم جماعات سكانية متعددة عاشت عبر الجبال والوديان والغابات الاستوائية والمناطق الساحلية.
جماعات عاشت بلا حدود
احتضنت غينيا الجديدة مئات الجماعات والقبائل التي طورت أنماط حياة مرتبطة بالبيئات التي عاشت فيها، وتوزعت المجتمعات بين مناطق جبلية ووديان واسعة وغابات استوائية، وهو ما جعل التركيبة السكانية والثقافية للجزيرة أكثر تنوعًا من الحدود السياسية التي ظهرت لاحقًا.
وارتبط الخط الحدودي الحالي في جانب كبير منه بالتطورات السياسية التي شهدتها الجزيرة خلال الحقبة الاستعمارية، ثم بمرحلة انتقال السلطة والاستقلال، لذلك لا يعكس هذا الخط بالضرورة الحدود التاريخية أو الثقافية التي كانت قائمة بين الجماعات والسكان الأصليين قبل تشكيل الدول الحديثة.
وتتميز الجزيرة بتنوع جغرافي واسع، إذ تجمع بين السلاسل الجبلية والغابات الاستوائية والمناطق الساحلية، كما تضم مناطق ذات طبيعة مختلفة تمتد عبر أراضي الدولتين، وهو ما يجعل التقسيم السياسي منفصلًا في كثير من المناطق عن وحدة البيئة الطبيعية التي تشترك فيها أجزاء الجزيرة.
واحتفظ الجزء الغربي من غينيا الجديدة بعلاقته السياسية بإندونيسيا، بينما تطورت المنطقة الشرقية في اتجاه تأسيس دولة بابوا غينيا الجديدة، وبذلك أصبحت الجزيرة مقسمة بين دولتين مستقلتين تفصل بينهما حدود دولية تمتد عبر أراضي كانت في السابق ضمن نطاق جغرافي واحد.
وتظهر قصة غينيا الجديدة كيف يمكن للتاريخ السياسي أن يغير شكل الخرائط، فالمساحة الجغرافية بقيت جزيرة واحدة، بينما قسمت التطورات الاستعمارية والإدارية والسياسية أراضيها بين دولتين، وأصبح لكل جانب نظام سياسي وحدود دولية مختلفة.
المفارقة بين الجغرافيا والسياسة
تجمع غينيا الجديدة اليوم بين أكثر من حقيقة جغرافية وسياسية، فهي ثاني أكبر جزيرة في العالم من حيث المساحة، وتنقسم أراضيها بين إندونيسيا وبابوا غينيا الجديدة، كما يرتبط غربها بدولة تُصنف ضمن آسيا، بينما تقع الجزيرة ضمن نطاق أوقيانوسيا وفق التصنيف الجغرافي الشائع.
وتبقى غينيا الجديدة نموذجًا جغرافيًا يجمع بين جزيرة واحدة ودولتين، ويكشف تاريخها مراحل متعددة بدأت بالنفوذ الاستعماري الأوروبي، ثم انتقلت إلى الإدارة الأسترالية في الشرق، واستقلال بابوا غينيا الجديدة، واستمرار ارتباط الجزء الغربي بإندونيسيا، لتتشكل الخريطة السياسية المعروفة للجزيرة اليوم.



